الطبراني
67
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله عزّ وجلّ : قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ ؛ أي بيّنا العلامات الدالّات على توحيد اللّه مفصّلة ، لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 ) ؛ أي لقوم يستدلّون بمعاني الآيات . والفقه في اللّغة : هو الفهم لمعنى الكلام ، إلا أنه قد جعل في العرف عبارة عن علم الغيب ، على معنى أنه استدراك معنى الكلام بالاستنباط عن الأصول ، ولهذا لا يجوز أن يوصف اللّه تعالى بأنه فقيه ؛ لأنه يوصف بالعلم ؛ والعلم حجّة الاستنباط ، ولكنه عالم بجميع الأشياء على وجه واحد . قوله عزّ وجلّ : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ؛ أي أنزل من السّماء المطر ، فإن اللّه تعالى منزّل المطر من السماء إلى السّحاب ، وينزّل من السحاب إلى الأرض ، كما قال تعالى : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً « 1 » وقوله تعالى : ( فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ) أي فأخرجنا بالمطر نبات كلّ صنف من أصناف الحبوب معاشا لهم . فإن قيل : كيف قال اللّه تعالى : ( فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ) فجعل المطر سببا للنبات ، والفاعل بالسبب يكون مستعينا بفعل السبب ، واللّه تعالى مستغن عن الأسباب ؟ قيل : إنّما قال اللّه تعالى : ( فَأَخْرَجْنا بِهِ ) ؛ لأن المطر سبب يؤدّي إلى النّبات ، وليس بمولود له ، واللّه تعالى قادر على إنبات النبات بدون المطر ، وإنّما يكون الفاعل بالسبب مستعينا بذلك السبب إذا لم يمكنه فعل ذلك الشّيء إلا بذلك السبب ، كما أنّ الإنسان إذا لم يمكنه أن يصعد السطح إلا بالسّلّم ، كان السّلّم آلة الصّعود ، والطائر إذا صعد السطح بالسّلّم ، لم يكن السّلّم آلة له ؛ لأنه يمكنه أن يصعد السطح بدون السّلم . قوله تعالى : فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً ؛ أي أخرجنا من المطر نباتا أخضر ؛ وهو ساق السّنبلة ، وقوله تعالى : نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً ؛ أي نخرج من ساق السّنبلة ما قد ركب بعضه بعضا ؛ يعني سنابل البرّ والشعير والأرزّ والذرّة وسائر الحبوب ، يركب بعضه بعضا .
--> ( 1 ) ق / 9 .